بين المركزية والتعددية.. تحالف الأحزاب الكردية يفتح باب التغيير ويثير جدلاً حول مستقبل إيران
بين المركزية والتعددية.. تحالف الأحزاب الكردية يفتح باب التغيير ويثير جدلاً حول مستقبل إيران
في تطور سياسي لافت يحمل أبعاداً تتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي في إيران، أعلنت 5 أحزاب كردية تشكيل ائتلاف سياسي جديد، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولاً نوعياً في بنية المشهد الإيراني، ومحاولة لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس أكثر تعددية، وهذا التحالف لم يأت في سياق عادي، بل في لحظة سياسية حساسة تمر بها إيران، ما منحه زخماً إضافياً وفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل النظام السياسي في البلاد.
وبحسب بيان تحليلي صادر عن المنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء اليوم السبت، فإن هذا الائتلاف يمثل حدثاً تاريخياً يوجه ضربة مباشرة لمنظومة المركزية التي هيمنت على إيران لعقود طويلة، وأشار البيان إلى أن هذه الخطوة ليست مجرد تنسيق بين أحزاب، بل تعبير عن إمكانية تشكل السلطة من القاعدة الشعبية، بعيداً عن الإملاءات المركزية أو الأطر التقليدية التي حكمت الحياة السياسية في البلاد.
تحالف يتحدى المركزية
يرى البيان أن أهمية هذا الائتلاف تكمن في كونه يعكس تحولاً في طبيعة العمل السياسي داخل المجتمع الإيراني متعدد القوميات، حيث تعيش مجموعات مختلفة لكل منها خصوصيتها الثقافية واللغوية والتاريخية، وفي هذا السياق، فإن أي محاولة لتنظيم سياسي مستقل كانت غالباً ما تواجه باعتبارها تهديداً أمنياً، وهو ما يجعل من هذا التحالف خطوة غير مسبوقة في تحدي هذا المنطق.
ويؤكد أن هذا التكتل السياسي يقدم نموذجاً بديلاً لفكرة السلطة المركزية، إذ يطرح إمكانية بناء نظام سياسي قائم على المشاركة الواسعة والتنظيم الأفقي، بدلاً من الهيمنة من أعلى، وهذا الطرح يعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول طبيعة الدولة في إيران، وحدود العلاقة بين المركز والأطراف.
انتقادات للخطاب الملكي
تطرق البيان أيضاً إلى ردود الفعل التي أعقبت إعلان الائتلاف، خاصة من قبل شخصيات محسوبة على التيار الملكي، مشيراً إلى أن هذه الردود تعيد إنتاج نفس منطق السيطرة الأمنية الذي ساد في مراحل سابقة من تاريخ إيران، واعتبر أن الحديث عن مفاهيم مثل تحقيق الاستقرار عبر القوة أو التعاون الأمني مع دول الجوار لمواجهة الاضطرابات، يعكس استمرارية في التفكير المركزي.
ويرى أن هذا الخطاب لا يختلف جوهرياً عن اللغة التي استخدمتها أنظمة سابقة، سواء في العهد الملكي أو في ظل الجمهورية الحالية، حيث تم توظيف مفاهيم الأمن والاستقرار لتبرير قمع الحركات السياسية والمجتمعية. ويشدد على أن تغيير العناوين أو الشعارات لا يعني بالضرورة تغييراً في طبيعة المشروع السياسي.
المركزية وإرث السيطرة
يقدم البيان قراءة تاريخية لطبيعة الحكم في إيران، مشيراً إلى أن المركزية كانت دائماً الأداة الرئيسية لإدارة التنوع القومي، لكنها في الوقت نفسه كانت وسيلة لإخضاع هذا التنوع والسيطرة عليه، ومن مناطق مثل لورستان وبلوشستان إلى خوزستان وأذربيجان، ظل الخطاب الرسمي ينظر إلى أي تنظيم مستقل باعتباره تهديداً يجب احتواؤه.
ويشير إلى أن ثورة عام 1979، رغم أنها قامت ضد النظام الملكي، لم تنجح في كسر هذا النمط، بل أعادت إنتاجه في إطار مختلف، ما أدى إلى استمرار القمع السياسي والتضييق على الحريات، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق القوميات المختلفة.
سياق إقليمي ضاغط
تتضاعف أهمية هذا الائتلاف عند النظر إليه في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها إيران، حيث تواجه البلاد تحديات مركبة تشمل أزمات اقتصادية حادة، وتوترات إقليمية متصاعدة، إضافة إلى تراجع في مستويات الثقة السياسية، وهذه العوامل مجتمعة تضع النظام السياسي أمام اختبار صعب، وتزيد من احتمالات حدوث تحولات كبرى.
وحذر البيان من أن غياب التنظيم الشعبي قد يفتح الباب أمام سيناريوهات تفرض من الخارج أو عبر ترتيبات لا تعكس إرادة المواطنين، مؤكداً أن وجود تحالفات سياسية مستقلة يمثل خطوة ضرورية لحماية القرار الوطني ومنع إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.
لفت البيان إلى أن ردود الفعل المتوترة التي أعقبت الإعلان عن الائتلاف تعكس هشاشة بعض المشاريع السياسية التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الإعلامي أو الدوائر الضيقة بدلاً من الارتكاز إلى قاعدة شعبية حقيقية، وأوضح أن أي مشروع لا يستند إلى دعم مجتمعي واسع يكون عرضة للتراجع أمام أي تنظيم جماعي منظم.
كما أشار إلى أن اللجوء إلى خطاب التهديد أو الترهيب يعكس طبيعة السلطة التي تفتقر إلى الشرعية الشعبية، حيث تعتمد على الأدوات الأمنية لتعويض هذا النقص.
دور المرأة في المعادلة السياسية
توقف البيان عند مسألة دور المرأة الإيرانية في التحولات السياسية، مشيراً إلى أن الأنظمة المركزية غالباً ما تستخدم حضور المرأة بشكل رمزي لإضفاء شرعية على سياساتها، دون منحها دوراً حقيقياً في صنع القرار، وأكد أن أي مشروع سياسي لا يضمن مشاركة فعلية ومستقلة للنساء سيعيد إنتاج نفس أنماط الهيمنة.
ويرى أن التحالفات الجديدة يجب أن تتبنى رؤية أكثر شمولية، تعترف بدور مختلف الفئات الاجتماعية، ومنها فئة النساء بوصفها جزءاً أساسياً من عملية التغيير.
نحو نموذج سياسي جديد
يؤكد البيان أن ائتلاف الأحزاب الكردية لا يمثل مجرد تحالف إقليمي، بل يحمل رسالة أوسع تتعلق بإمكانية بناء نموذج سياسي جديد في إيران قائم على التعددية والتشاركية، ويشير إلى أن نجاح هذا النموذج يعتمد على انخراط قوى أخرى، الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والحركات الشبابية.
كما يرى أن بناء شبكة واسعة من التحالفات المستقلة يمكن أن يشكل حاجزاً أمام محاولات فرض حلول من الخارج أو إعادة إنتاج أنظمة استبدادية، مؤكداً أن القوة الحقيقية تنبع من التنظيم الشعبي وليس من القرارات الفوقية.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم حول المسار الذي ستسلكه إيران في المرحلة المقبلة وما إذا كانت ستتجه نحو نموذج أكثر انفتاحاً وتعددية، أم ستستمر في إعادة إنتاج نفس الأنماط المركزية، ويشير البيان إلى أن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على قدرة القوى السياسية والمجتمعية على تنظيم نفسها وتجاوز الانقسامات.
ويؤكد أن التحالف الكردي قدم نموذجاً عملياً لإمكانية التغيير، لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية كبيرة على باقي الفاعلين السياسيين للمضي في هذا الاتجاه وتعزيز فرص التحول الديمقراطي.
تتميز إيران بتنوع قومي وثقافي واسع يضم الكرد والبلوش والعرب والأذريين واللور وغيرهم من المكونات، وقد شكل هذا التنوع تحدياً مستمراً لأنظمة الحكم المتعاقبة التي اعتمدت في الغالب على المركزية بوصفها وسيلة لإدارة الدولة، ومنذ بدايات القرن 20، رسخت الحكومات المركزية هذا النهج بهدف الحفاظ على وحدة الدولة، لكنه أدى في المقابل إلى تهميش العديد من المكونات، وبعد ثورة 1979، استمر هذا النمط في إطار جديد، حيث تم الحفاظ على مركزية القرار مع تغييرات في البنية الأيديولوجية، ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والسياسية في السنوات الأخيرة عاد النقاش حول شكل الدولة وطبيعة توزيع السلطة إلى الواجهة، ما يجعل من أي تحرك نحو اللامركزية أو التنظيم الشعبي حدثاً ذا دلالة خاصة في السياق الإيراني المعاصر.










